الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي
278
الاجتهاد والتقليد
قلت : على فرض تسليم أنّ المراد بأهل الذكر هو العلماء ، فنقول أوّلا : إنّ الذكر على هذا الفرض بمعنى العلم ، وأهل الشيء من هو متأهّل لذلك الشيء ، أي قابل له ، لا من حصل له ذلك الشيء بالفعل ، كما في قولنا « اللّه تعالى أهل الجود والجبروت ، وأهل العفو والرحمة ، وأهل التقوى والمغفرة » ، أي متأهّل لما أضيف إليه الأهل ، ولفظ الأهل حقيقة في ذلك المعنى في أمثال هذه التراكيب ؛ والأصل تنزيل اللفظ على ما هو حقيقة فيه . وعلى هذا ، فمعنى الآية الشريفة : فاسألوا يا أيّها الذين ليسوا متمكّنين من تحصيل العلم ، لعدم الأهليّة ، ممّن هو متمكّن من تحصيله ؛ فيختصّ العامي بكونه مأمورا بالسؤال . وعلى ما قلت يلزم أن يكون أهل العلم مأمورا بالسؤال من أهل العلم ، وهو خلاف ظاهر الآية ، مضافا إلى أنّ المتبادر من الآية أنّها خطاب مع العاميّ الصرف ، فإنّ قوله تعالى لا تَعْلَمُونَ يفيد العموم ، لحذف المتعلّق ، فمنطوقها : أنّ من لا يعلم شيئا يجب عليه السؤال ، ومفهومها : أنّ من يقدر على العلم بنفسه لا يجب عليه السؤال ؛ وذلك المجتهد المفروض ممّن يقدر ، فلا يجب عليه ؛ وذلك أعمّ من أن يكون السؤال عليه حراما أو جائزا ، ولا دلالة للعام على الخاصّ . وثانيا : سلّمنا أنّ المجتهد المفروض ليس من أهل الذكر ، بل أهل الذكر من حصل له العلم بالفعل ؛ لكن نقول : الآية مجملة ، لعدم إمكان حملها على ظاهرها ؛ وذلك لأنّ الأمر للوجوب ، وهو حقيقة في الوجوب العيني ، لتبادره منه ، فلا بدّ من حمل اللفظ على معناه المتبادر ، فيكون معنى الآية حينئذ : يجب على ذلك المجتهد بالوجوب العيني السؤال من أهل العلم ، فهو مخالف للإجماع ، بل هذا ممّا لا يقول به أحد ، لانحصار القائلين بين من يحكم بحرمته عليه ، وبين من يحكم بجوازه له على وجه التخيير . وبعد ما انقطعت اليد عن حمل الآية على ظاهرها ، لمخالفته للإجماع ، فلا بدّ من